الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

463

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

إضافات وإيضاحات [ بحث صوفي ] : حول الصراع بين الفقه والتصوف يقول الباحث طه عبد الباقي سرور : « الفقه والتصوف صورتان من صور النشاط العلمي في التفكير الإسلامي ، ووجهان من أوجه التشريع والأخلاق في المجال الروحي للرسالة المحمدية أفضل الصلاة والسلام على صاحبها . ومع هذا فالخصومة بينهما تقليدية تاريخية ، منذ عرف الناس التصوف والفقه . ولقد كان الفقيه في صدر الإسلام هو النموذج الكامل للرجل الكامل في الإسلام ، كان الفقيه هو العابد ، العالم ، الزاهد ، المجاهد ، المجاهر بكلمة الحق ، القائم على الجادة ، يرشد الناس بعلمه وعمله ، ويأخذهم بأيديهم إلى ما يرضي الله ، والى ما شرع الله ، والى ما فيه خير الأمة الإسلامية ، والمجموعة البشرية كافة ، وبذلك كان الفقيه والصوفي شيئاً واحداً ، وكان التصوف والفقه اسمان لعلم مشترك . كان الفقيه هكذا يوم كان الفقه هو روح الإسلام وجوهر الرسالة المحمدية أفضل الصلاة والسلام على صاحبها ، يوم كان الفقه تشريعاً وخلقاً ، وعلماً وعملًا ، يوم كان الفقه لا يعرف الحيل الشرعية ، ولا التفرعات الافتراضية الشاذة ، ولا ألاعيب الألفاظ التي تقتنص الرخص وتستهدف الغلبة في ميادين الجدل والحوار . ثم اخذ الفقه الذي نعرفه اليوم يتكون شيئاً فشيئا ، بل اخذ يبتعد شيئاً فشيئاً عن أخلاقياته ومثالياته وصفائه الأول ، وأخذت ملامحه تتبدل وتتغير وتتلون بألوان الثقافات التي تسربت إليه وتقنعت به ، وتسترت وراء تشريعاته . فغدا الفقه علماً أكثر منه عملًا ، وأصبح كتاباً للعقول أكثر منه مادةً وتوجيهاً للقلوب ، بل أصبح وسيلة للحياة وسلماً لمناصبها وزخرفها . وبذلك خلع الفقيه أردية العباد ليرتدي أزياء رجال القانون ، وترك محاريب التقوى ليحتل مناصب الدنيا وأعرض عن الأخلاقيات والمثاليات ليسبح مع السابحين وليثب مع الواثبين إلى لمع الجاه ومتاع الحياة ، وما تزخر به الدنيا من مفاتن ومباهج .